أحمد بن محمود السيواسي
314
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
كانت تعمل قبل دخوله بيت المقدس ، وكان لمحرابه كوى تنظر الجن إليه منها ، فقام مصليا معتمدا على عصاه فمات قائما ولم تعرف الجن موته قائما ، وعملوا له بعد موته سنة فمر به شيطان مرارا فلم يسمع صوته فرفع رأسه فرآه ميتا ، وكان لا ينظر إليه في حياته أحد منهم إلا احترق ، ففتحوا الباب فرأوه ميتا ورأوا عصاه قد أكلته الأرضة فوضعوا الأرضة على العصا يوما وليلة ليعرفوا وقت موته فأكلت ، فحسبوا على ذلك وعلموا أنه مات منذ سنة ، وكانوا يعملون بين يديه ويحسبونه حيا فأيقن الناس أنهم لو علموا الغيب لما لبثوا في العذاب سنة « 1 » . [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 15 إلى 16 ] لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ( 15 ) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ( 16 ) قوله ( لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ ) الآية نزل ليعتبر الناس بحال من تقدمهم ممن لم يؤمنوا ولم يشكروا على نعم اللّه تعالى فأهلكوا « 2 » ، قيل : سبأ اسم قبيلة بمأرب من اليمن « 3 » ( فِي مَسْكَنِهِمْ ) بفتح الكاف وكسرها موضع سكناهم وهو بلدهم الذي كانوا مقيمين فيه وقرئ « مساكنهم » « 4 » ( آيَةٌ ) أي عبرة لأهل العقل و ( جَنَّتانِ ) بدل من « آيَةٌ » أو خبر مبتدأ محذوف ، كأنه قيل : ما الآية ؟ فقال : الآية جنتان ، ومعنى كونهما آية قصتهما وإعراض أهلهما عن شكر اللّه عليهما فخربهما وأبدلهم عنهما الخمط والأثل ليتعظوا فيؤمنوا ، والمراد بال « جَنَّتانِ » جماعتان من البساتين ( عَنْ يَمِينٍ ) من بلدهم ( وَشِمالٍ ) منه وفيهما أشجار كثيرة وثمار طيبة وأنهار عذبة تجري فيهما ( كُلُوا ) أي قال لهم الأنبياء المبعوثون إليهم كلوا ( مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ ) الذي خلقكم ورزقكم وطلب شكركم ( وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ ) أي هذه البلدة التي فيها رزقكم بلدة ( طَيِّبَةٌ ) لم تكن بسبخة « 5 » وليس بها بعوض ولا برغوث ولا ذباب ولا عقرب ولا حية ، وكانت أخصب البلاد تخرج المرأة وعلى رأسها مكتل وتسير بين أشجار البساتين فيمتليء المكتل مما يتساقط فيه من أنواع الثمر ( وَرَبٌّ ) أي هو رب ( غَفُورٌ ) [ 15 ] لمن آمن وشكر ، وكان الأنبياء المبعوثون « 6 » إليهم ثلاثة عشر يدعونهم إلى اللّه ويذكرونهم نعمته عليهم فكذبوهم فسلط عليهم الخلد وهو فأرة أعمى فنقب سدهم من أسفله فغرق أموالهم وفرقهم وهو معنى قوله ( فَأَعْرَضُوا ) عن الإيمان وقالوا من الذي يأخذ منا هذه النعم ( فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ ) وهو السيل الذي لا يطاق أو المطر الشديد أو اسم الوادي ( وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ) أخريين ( ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ ) بإضافة « أُكُلٍ » إلى ال « خَمْطٍ » ، أي أكل من خمط ، والأكل الثمر بضم الكاف والسكون « 7 » ، والخمط شجر الأراك أو كل شجر ذي شوك وأكل خمط بالتنوين على أن أصله ذواتي أكل أكل خمط فحذف المضاف وأقيم « 8 » المضاف إليه مقامه أو على وصف الأكل بالخمط ، أي ذواتي أكل بشع لأنه أخذ طعما من مرارة لا يمكن أكله أو أنه عطف بيان لل « أُكُلٍ » ، أي بين أنه من أي الشجر ، قوله ( وَأَثْلٍ ) عطف على « أُكُلٍ » وهو شجر يشبه الطرفاء ( وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ) [ 16 ] وهو شجر النبق وهو أيضا عطف عليه ، لأنه لا أكل لهما وإلا لعطف على « خَمْطٍ » ، وإنما قلل السدر لأنه أعز ما بدلوا وأكرمه ، وتسمية البدل ب « جَنَّتَيْنِ » لأجل المشاكلة ، وفيه ضرب من التهكم .
--> ( 1 ) اختصره من البغوي ، 4 / 500 - 501 ؛ والكشاف ، 5 / 63 . ( 2 ) لعله اختصره من الكشاف ، 5 / 63 . ( 3 ) ذكر ابن عباس نحوه ، انظر السمرقندي ، 3 / 69 . ( 4 ) « مسكنهم » : قرأ حفص وحمزة باسكان السين وفتح الكاف على الإفراد ، والكسائي وخلف في اختياره باسكان السين وكسر الكاف ، والباقون بفتح السين وألف بعدها وكسر الكاف على الجمع . البدور الزاهرة ، 260 . ( 5 ) بسبخة ، وي : سبخة ، ح . ( 6 ) المبعوثون ، وي : مبعوثون ، ح . ( 7 ) « ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ » : قرأ نافع وابن كثير باسكان الكاف وتنوين اللام وأبو عمرو ويعقوب بضم الكاف وترك التنوين والباقون بضم الكاف وتنوين اللام ، ولا يخفى ما فيه من نقل حركة الهمزة إلى الياء قبلها مع حذف الهمزة لورش ومن إخفاء التنوين في الخاء لأبي جعفر . البدور الزاهرة ، 260 . ( 8 ) وأقيم ، وي : وأضيف ، ح .